بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 24 يناير، 2010

حتى الأونروا


-هناء هنا هيا بابنتي الإفطار جاهز ..
استيقظت بصعوبة بالغة حيث لم تنل قسطا كافيا من الراحة في تلك الليلة ,
لم تكن تلك الليلة ليلة عادية كباقي الليالي فالسماء باتت مضيئة وكأن الشمس سطعت فيها ليلا , والإنفجارات ملأت الآفاق وأصمت الآذان.
لذلك لم تستطع الأسرة النوم إلا قبيل الفجر ,ليس لأن الأصوات هدأت بل لأن التعب كان قد أنهك أجسادهم الضعيفة فأسلموا للنوم أعينهم.
غسلت وجهها من قارورة صغيرة فالماء مقطوع منذ فترة ليست بالقصيرة .
لبست ملابسها واتجهت لمائدة الطعام ,على المائدة تجمعت تلك الأسرة الصغيرة بقلوب يملأها الخوف والخوف من المجهول ...!
جلست الأم والأب وطفلتيهما هناء وسمية التي تصغرها سنتين على تلك المائدة التي كانت عبارة عن معلبات وبعض الحليب البارد للطفلتين .
كان الجو باردا وكذلك الحليب فصرخت الطفلتين سويا : نريد حليباً ساخناً..!
ردت الأم بهدوء : تعلمان أن الغاز قد انتهى من يومين .
تمتما في صمت وحزن وأنهيا ما تبقى من وجبتيهما .
تجهزت الطفلتان للرحيل ودار الحوار التالي :
هناء:لا أريد الذهاب للمدرسة اليوم يا أمي
سمية : ولا حتى أنا أريد أن أبقى بجوارك أمي
الأم : المدرسة أكثر أمناً لكما حتى من هنا
ودعت الأم الطفلتين بقبلة وأحضان دافئة في ذلك الصباح البارد .
لم يدر في خلد الصغيرتين أو أمهما أن ذلك اللقاء وتلك القبلات هي الأخيرة فيما بينهم.


..........................
....................................................


لم تكن المدرسة تبعد عن المنزل سوى شارعين دلفا خلالهما بسرعة وفي خطى سريعة .
لم يقم طابور الصباح المعتاد ذلك اليوم , الكثير غائب , سواء مدرسون أو طلبة .
افترقت الأختان على أمل أن يلتقيا وقت الفسحة .
صعدت هناء لفصلها وكذلك سمية التي صعد لهم المُدرسُ المقرر وأكملوا يومهم كالمعهود .
أما هناء فانتظروا قليلا فلم يأت لهم أحد وبعد دقائق أتى المدير وأخبرهم أن أستاذهم غائب وأن الأستاذ البديل سيحضر لهم .
مرت دقائق تسامع فيها الصغار بخبر استشهاد أستاذهم فذرفت دموعهم البريئة.
دخلت بعد قليل الآنسة شرين , كم كانت هناء تحبها وتتمنى أن تكون مثلها في المستقبل!.
دخلت الآنسة وهي تكفكف دمعها خوفا أن يراها الأطفال فبادرها أحدهم قائلا :هل حقا استشهد الأستاذ ؟؟!!.
لم تملك الآنسة إلا تطلق لدموعها العنان وكذلك فعل الصغار.
مرت حوالي خمس دقائق والجميع يحاول أن يعيد ربط حبل أفكاره ونسيان ما جعله يبكي .
قامت الآنسة وكتبت بعض الكلمات على السبورة وقالت الحصة لابد أن تكون كما كان يريدها الأستاذ رحمه الله.
ثوانِ مرت ورأى الأطفال الدخان ينتشر في الجو فتجمعوا حول النوافذ يشاهدون .
-أغلقوا النوافذ بسرعة !!. كان هذا التحذير الأول للمدير عبر مكبرات الصوت
الذي سرعان ما تبعه الثاني : اتجهوا للمخارج بسرعة !..
أسرع الأطفال يركضون بكل قواهم نحو المخارج واندفعوا اندفاع السيل.
في اللحظة التي انطلق فيها النداء انطلقت قذيفة أخرى لتهبط وسط هؤلاء الصغار
فيحدث ما يعرفه الجميع , أشلاء ودماء ......

لحسن الحظ كانت هناء قد ابتعدت مسافة قصيرة قليلا عن مبنى المدرسة مع معلمتها
التي أصيبت هي والصغيرة بكثير من الكدمات والجروح أخذت المعلمة الصغيرة بين أحضانها وهي تصرخ سمية, سمية, سمية .!!!!
..........................
.............................................

لم تتوقف المعلمة برهة لتنظر خلفها أو حتى لتستجب لنداءات الصغيرة فهي تعلم تماماً أن التوقف يعني الموت المحتوم.
أطلقت ساقيها للريح ناحية بيت هناء , وصلت بعد عناء هل هذا بيتك يا هناء ؟؟!!.
نظرت الصغيرة ولم تستطع التحمل فأغمي عليها .
قبل قصف المدرسة بخمس دقائق كانت المنطقة المحيطة قصفت تماماً فأصبحت خاوية على عروشها!!...
أعادت المعلمة مرة أخرى الجري بأقصى سرعتها خاصة وأن الغازات تملأ المكان وهي تحمل الصغيرة بين ذراعيها كالملاك النائم .
أنهكها التعب , فاستسلمت له , واستنشقت الكثير من الغاز فأحست بألم في عينيها وكل وجهها
ارتمت على الأرض علها ترتاح قليلا بدأت تحس بآلام شديدة تغزو جسدها بأكمله .
جلست تنظر لذلك الوجه الملائكي بين ذراعيها تبتسم كما لو كانت فرحة وهي بين أحضان معلمتها التي طالما تمنت أن تكون مثلها.
مرت ساعة وهي تذوق آلاما لم تعهدها من قبل تمنت خلالها الموت , اختناق شديد حشرجة في الحلق , تسارع في نبضات القلب , لفظت المعلمة أنفاسها الأخيرة وهي تقول في هدوء وتمسح جبين الصغيرة هناء , هناء , هناء......



------------------------------

*- أول محاولة لي لكتابة القصة القصيرة 
*- نلت عليها المركز الرابع في مسابقة للقصة القصيرة شاركت فيها 
*- أعتز بها للأبد :)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق